الغزالي

59

إحياء علوم الدين

فقال أهل المجلس ، لبئس ما قلت . والله لننبئنه . ثم قالوا يا فلان ، لرجل منهم ، قم فأدركه وأخبره بما قال . فأدركه رسولهم . فأخبره . فأتى الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكى له ما قال ، وسأله أن يدعوه له ، فدعاه وسأله . فقال قد قلت ذلك . فقال صلى الله عليه وسلم « لم تبغضه » فقال أنا جاره ، وأنا به خابر . والله ما رأيته يصلى صلاة قط إلا هذه المكتوبة . قال فاسأله يا رسول الله ، هل رآني أخرتها عن وقتها ؟ أو أسأت الوضوء لها ؟ أو الركوع أو السجود فيها ؟ فسأله فقال لا . فقال والله ما رأيته يصوم شهرا قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر . قال فاسأله يا رسول الله ، هل رآني قط أفطرت فيه ؟ أو نقصت من حقه شيئا ؟ فسأله عنه . فقال والله ما رأيته يعطى سائلا ولا مسكينا قط ، ولا رأيته ينفق شيئا من ماله في سبيل الله ، إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر . قال فاسأله هل رآني نقصت منها ؟ أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها ؟ فسأله فقال لا . فقال صلى الله عليه وسلم للرجل « قم فلعلَّه خير منك » بيان العلاج الذي به يمنع اللسان عن الغيبة اعلم أن مساوى الأخلاق كلها ، إنما تعالج بمعجون العلم والعمل . وإنما علاج كل علة بمضادة سببها ، فلنفحص عن سببها وعلاج كف اللسان عن الغيبة على وجهين : أحدهما على الجملة . والآخر على التفصيل أما على الجملة ، فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته ، بهذه الأخبار التي رويناها وأن يعلم أنها محبطة لحسناته يوم القيامة ، فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه ، بدلا عما استباحه من عرضه . فإن لم تكن له حسنات ، نقل إليه من سيئات خصمه ، وهو مع ذلك متعرض لمقت الله عز وجل ، ومشبه عنده بآكل الميتة . بل العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته ، وربما تنقل إليه سيئة واحدة ممن اغتابه ، فيحصل بها الرجحان ، ويدخل بها النار . وإنما أقل الدرجات أن تنقص من ثواب أعماله ، وذلك